محمد بن وليد الطرطوشي

328

سراج الملوك

الباب الثاني والأربعون في بيان الخصلة التي تصلح بها الرعية اعلم : أنّ أدعى خصال السلطان إلى إصلاح الرعية ، وأقواها أثرا في تمسّكهم بأديانهم ، وحفظهم لمروءاتهم ، إصلاح السلطان نفسه ، وتنزهه عن سفساف الأخلاق ، وبعده عن مواضع الريب ، وترفيعه نفسه عن استصحاب البطالة ، والمجون ، واللعب ، واللهو ، والإعلان بالفسوق . وقد كانت صحبة محمد الآمين لذلك الرجل الخليع ، والماجن الرقيع - أبى نواس الشاعر « 1 » - وصمة عظيمة عليه ، أوهن بها سلطانه ، ووضع « 2 » عند الخاص والعام قدره ، وأطلق ألسنة الخلق بالشتم ، والثناء القبيح على نفسه ، فخلعه بذلك أخوه المأمون عن الولاية ، ووجّه طاهر بن الحسين « 3 » لمحاربته ببغداد ، وحاربه حتى قتله ، وأنفذ برأسه إلى المأمون ، وكان يعمل كتبا تقرأ على المنابر من خراسان ، ويقف الرجل فيذم أهل العراق ، فيقول : أهل فسوق وخمور وماخور « 4 » ، ويعيب الأمين بذلك ، فيقول : استصحب أبا نواس ، شاعرا ماجنا كافرا ، استخلصه معه لشرب الخمور ، وارتكاب المآثم ، ونيل المحارم ، وهو القائل : ألا فاسقنى خمرا وقل لي هي الخمر * ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى * فلا خير في اللّذّات من دونها ستر

--> ( 1 ) أبو نواس الحسن بن هانى : من كبار شعراء العصر العباسي ، شاعر الخمر ، قيل أن الرشيد قربه وأن محمد الأمين ابن هارون الرشيد جعله شاعره ، اتصل بالبرامكة ، عاقر الخمر وأسرف في اللهو ثم تاب في آخر حياته ومات سنة 198 ه . ( الأعلام 2 / 225 ) . ( 2 ) وضع : صار وضيعا وحقيرا . ( 3 ) طاهر بن الحسين : هو الذي وجهه المأمون لقتال الأمين وتمكّن منه وقتله وأرسل برأسه إلى أخيه المأمون وقد سبق ترجمة كل من الأمين والمأمون أبناء هارون الرشيد ، وقد توجه طاهر بن الحسين بعد ذلك إلى خراسان فقضى على ثورة الخوارج ووطد دعائم حكم المأمون ولكنه قطع خطبة المأمون وأسس الدولة الطاهرية فبعث إليه المأمون من يقتله وقد قتل سنة 207 ه . ( الأعلام 3 / 221 ) . ( 4 ) الماخور : مجلس الفسّاق أو بيت الدعارة والفساد .